محمد علي الحسن
108
المنار في علوم القرآن
إن هذا القول رغم إجلالنا لقائله وهو ابن جرير الطبري إلّا أنا نقول كما قال علماؤنا : هذا الرجل كبير ، ولكن الحق أكبر منه ، لذا فقد خالفه جماهير العلماء فيما ذهب إليه . ولو أمعن بعض المحدثين فيما اعترض به على ابن جرير لما ذهبوا مذهبه ، بل أوقعتهم ثقتهم بهذا المفسر العظيم حين افتتح كتابه بالحديث عن علوم القرآن ، وبحث الأحرف السبعة ، وأطال الاستدلال ، فتوهم هؤلاء بأن رأيه الحق الذي لا بديل له . أما القول الثاني فهو رأي ابن قتيبة وابن الجزري والقاضي الباقلاني ابن الطيب والرازي وابن كثير ، وقد قال به كثير من المحدثين كالزرقاني الذي تابعه كثيرون . لقد قال هؤلاء جميعا : إن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة ، وهي لا تخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف « 1 » . الأول : اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع ، وتذكير وتأنيث مثاله قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [ المؤمنون : 8 ] لأمانتهم بالإفراد ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ لأماناتهم بالجمع . الثاني : اختلاف تصريف الأفعال من ماض ، ومضارع ، وأمر مثاله قوله تعالى : رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [ سبأ : 19 ] « ربنا بعّد بين أسفارنا » . الثالث : اختلاف في وجوه الإعراب . مثاله : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 3 ] ورسوله بالضم ، ورسوله بالفتح . الرابع : الاختلاف بالنقص والزيادة ، مثاله : وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ الليل : 3 ] ( والذكر والأنثى ) بنقص لفظ وما خلق ، ونحو « أوصى » « ووصى » بنقص حرف الهمزة . الخامس : الاختلاف في التقديم والتأخير ، مثاله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [ التوبة : 111 ] بمعنى قاتل ومقتول ، أو « فيقتلون ويقتلون » بمعنى مقتول وقاتل ، وكلاهما موعود بالحسنى وبالجنة ، ومثاله : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ ق : 19 ] « وجاءت سكرة الحق بالموت » .
--> ( 1 ) النشر في القراءات العشر 1 / 27 .